فصل: الآية رقم ‏(‏226 ‏:‏227‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرطبي المسمى بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» **


 الآية رقم ‏(‏222‏)‏

‏{‏ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ويسألونك عن المحيض‏}‏ ذكر الطبري عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح - وقيل‏:‏ أسيد بن حضير وعباد بن بشر، وهو قول الأكثرين‏.‏ وسبب السؤال فيما قال قتادة وغيره‏:‏ أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض، فنزلت‏.‏ وفي صحيح مسلم عن أنس‏:‏ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى‏{‏ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض‏}‏ إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اصنعوا كل شيء إلا النكاح‏)‏ فبلغ ذلك اليهود، فقالوا‏:‏ ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا‏:‏ يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن‏؟‏ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لَبَنٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما‏.‏ قال علماؤنا‏:‏ كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعون الحيض، فأمر الله بالقصد بين هذين‏.‏

قوله تعالى‏{‏عن المحيض‏}‏ المحيض‏:‏ الحيض وهو مصدر، يقال‏:‏ حاضت المرأة حيضا ومحاضا ومحيضا، فهي حائض، وحائضة أيضا، عن الفراء وأنشد‏:‏

كحائضة يزنى بها غير طاهر

ونساء حيض وحوائض‏.‏ والحيضة‏:‏ المرة الواحدة‏.‏ والحيضة ‏(‏بالكسر‏)‏ الاسم، والجمع الحيض‏.‏ والحيضة أيضا‏:‏ الخرقة التي تستثفر بها المرأة‏.‏ قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ ليتني كنت حيضة ملقاة‏.‏ وكذلك المحيضة، والجمع المحائض‏.‏ وقيل‏:‏ المحيض عبارة عن الزمان والمكان، وعن الحيض نفسه، وأصله في الزمان والمكان مجاز في الحيض‏.‏ وقال الطبري‏:‏ المحيض اسم للحيض، ومثله قول رؤبة في العيش‏:‏

إليك أشكو شدة المعيش ومر أعوام نتفن ريشي

وأصل الكلمة من السيلان والانفجار، يقال‏:‏ حاض السيل وفاض، وحاضت الشجرة أي سالت رطوبتها، ومنه الحيض أي الحوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو، لأنهما من حيز واحد‏.‏ قال ابن عرفة‏:‏ المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع، وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، يقال‏:‏ حاضت المرأة وتحيضت، ودرست وعركت، وطمثت، تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا إذا سال الدم منها في أوقات معلومة‏.‏ فإذا سال في غير أيام معلومة، ومن غير عرق المحيض قلت‏:‏ استحيضت، فهي مستحاضة‏.‏ ابن العربي‏:‏ ولها ثمانية ابن العربي‏.‏ ولها ثمانية أسماء‏:‏ الأول‏:‏ حائض‏.‏ الثاني‏:‏ عارك‏.‏ الثالث‏:‏ فارك‏.‏ الرابع‏:‏ طامس‏.‏ الخامس‏:‏ دارس‏.‏ السادس‏:‏ كابر‏.‏ السابع‏:‏ ضاحك‏.‏ الثامن‏:‏ طامث‏.‏ قال مجاهد في قوله تعالى‏{‏فضحكت‏}‏ يعني حاضت‏.‏ وقيل في قوله تعالى‏{‏فلما رأينه أكبرنه‏}‏يوسف‏:‏ 31‏]‏ يعني حضن‏.‏ وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى‏.‏

أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر السائل من فرجها، فمن ذلك الحيض المعروف، ودمه أسود خاثر تعلوه حمرة، تترك له الصلاة والصوم، لا خلاف في ذلك‏.‏ وقد يتصل وينقطع، فإن اتصل فالحكم ثابت له، وإن انقطع فرأت الدم يوما والطهر يوما، أو رأت الدم يومين والطهر يومين أو يوما فإنها تترك الصلاة في أيام الدم، وتغتسل عند انقطاعه وتصلي، ثم تلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر المتخللة لها، ولا تحتسب بها طهرا في عدة ولا استبراء‏.‏ والحيض خلقة في النساء، وطبع معتاد معروف منهن‏.‏‏"‏روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال‏:‏ ‏(‏يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار - فقلن وبم يا رسول الله‏؟‏ قال - تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن - قلن‏:‏ وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل‏؟‏ قلن‏:‏ بلى، قال‏:‏ فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم‏؟‏ قلن‏:‏ بلى يا رسول الله، قال‏:‏ فذلك من نقصان دينها‏)‏

وأجمع العلماء على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لحديث معاذة قالت‏:‏ سألت عائشة فقلت‏:‏ ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة‏؟‏ قالت‏:‏ أحرورية أنت‏؟‏ قلت‏:‏ لست بحرورية، ولكني أسأل‏.‏ قالت‏:‏ كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، خرجه مسلم‏.‏ فإذا انقطع عنها كان طهرها منه الغسل، على ما يأتي‏.‏

واختلف العلماء في مقدار الحيض، فقال فقهاء المدينة‏:‏ إن الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما، وجائز أن يكون خمسة عشر يوما فما دون، وما زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة، هذا مذهب مالك وأصحابه‏.‏ وقد روي عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما يوجد في النساء، فكأنه ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء‏.‏ وقال محمد بن سلمة‏:‏ أقل الطهر خمسة عشر يوما، وهو اختيار أكثر البغداديين من المالكيين، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري، وهو الصحيح في الباب، لأن الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض، وجعل عدة من لا تحيض من كبر أو صغر ثلاثة أشهر، فكان كل قرء عوضا من شهر، والشهر يجمع الطهر والحيض‏.‏ فإذا قل الحيض كثر الطهر، وإذا كثر الحيض قل الطهر، فلما كان أكثر الحيض خمسة عشر يوما وجب أن يكون بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ليكمل في الشهر الواحد حيض وطهر، وهو المتعارف في الأغلب من خلقة النساء وجبلتهن مع دلائل القرآن والسنة‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما‏.‏ وقد روي عنه مثل قول مالك‏:‏ إن ذلك مردود إلى عرف النساء‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة‏.‏ قال ابن عبدالبر‏:‏ ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو استحاضة، لا يمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره، لأنه لا يعلم مبلغ مدته‏.‏ ثم على المرأة قضاء صلاة تلك الأوقات، وكذلك ما زاد على عشرة أيام عند الكوفيين‏.‏ وعند الحجازيين ما زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة‏.‏ وما كان أقل من يوم وليلة عند الشافعي فهو استحاضة، وهو قول الأوزاعي والطبري‏.‏ وممن قال أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما عطاء بن أبي رباح وأبو ثور وأحمد بن حنبل‏.‏ قال الأوزاعي‏:‏ وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقد أتينا على ما للعلماء في هذا الباب - من أكثر الحيض وأقله وأقل الطهر، وفي الاستظهار، والحجة في ذلك - في المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس فإن كانت بكرا مبتدأة فإنها تجلس أول ما ترى الدم في قول الشافعي خمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتعيد صلاة أربعة عشر يوما‏.‏ وقال مالك‏:‏ لا تقضي الصلاة ويمسك عنها زوجها‏.‏ علي بن زياد عنه‏:‏ تجلس قدر لداتها، وهذا قول عطاء والثوري وغيرهما‏.‏ ابن حنبل‏:‏ تجلس يوما وليلة، ثم تغتسل وتصلي ولا يأتيها زوجها‏.‏ أبو حنيفة وأبو يوسف‏:‏ تدع الصلاة عشرا، ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما، ثم تترك الصلاة بعد العشرين عشرا، فيكون هذا حالها حيت ينقطع الدم عنها‏.‏ أما التي لها أيام معلومة فإنها تستظهر على أيامها المعلومة بثلاثة أيام، عن مالك‏:‏ ما لم تجاوز خمسة عشر يوما‏.‏ الشافعي‏:‏ تغتسل إذا انقضت أيامها بغير استظهار‏.‏

والثاني من الدماء‏:‏ دم النفاس عند الولادة، وله أيضا عند العلماء حد معلوم اختلفوا فيه، فقيل‏:‏ شهران، وهو قول مالك‏.‏ وقيل‏:‏ أربعون يوما، وهو قول الشافعي‏.‏ وقيل غير ذلك‏.‏ وطهرها عند انقطاعه‏.‏ والغسل منه كالغسل من الجنابة‏.‏ قال القاضي أبو محمد عبدالوهاب‏:‏ ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا‏:‏ وهي وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه - وفائدة الفرق لزوم القضاء للصوم ونفيه في الصلاة - والجماع في الفرج وما دونه والعدة والطلاق، والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف فيه، وفي قراءة القرآن روايتان‏.‏

والثالث من الدماء‏:‏ دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة، وإنما هو عرق انقطع، سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرء منه، فهذا حكمه أن تكون المرأة منه طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان معلوما أنه دم عرق لا دم حيض‏.‏‏"‏روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ قالت فاطمة بنت أبي حبيش‏:‏ يا رسول الله، إني لا أطهر‏!‏ أفأدع الصلاة‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما ذلك عرق وليس بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي‏)‏‏.‏ وفي هذا الحديث مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسر لك أحكام الحائض والمستحاضة، وهو أصح ما روي في هذا الباب، وهو يرد ما روي عن عقبة بن عامر ومكحول أن الحائض تغتسل وتتوضأ عند كل وقت صلاة، وتستقبل القبلة ذاكرة الله عز وجل جالسة‏.‏ وفيه أن الحائض لا تصلي، وهو إجماع من كافة العلماء إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة‏.‏ وفيه ما يدل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها، ولو لزمها غيره لأمرها به، وفيه رد لقول من رأى ذلك عليها لكل صلاة‏.‏ ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد، وصلاتي الليل بغسل واحد وتغتسل للصبح‏.‏ ولقول من قال‏:‏ تغتسل من طهر إلى طهر‏.‏ ولقول سعيد بن المسيب من طهر إلى طهر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بشيء من ذلك‏.‏ وفيه رد لقول من قال بالاستظهار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلي، ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء، والاحتياط إنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها‏.‏

قوله تعالى‏{‏قل هو أذى‏}‏ أي هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض‏.‏ والأذى كناية عن القذر على الجملة‏.‏ ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى‏{‏لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى‏}‏البقرة‏:‏ 264‏]‏ أي بما تسمعه من المكروه‏.‏ ومنه قوله تعالى‏{‏ودع أذاهم‏}‏الأحزاب‏:‏ 48‏]‏ أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏وأميطوا عنه الأذى‏)‏ يعني بـ ‏{‏الأذى‏}‏ الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، يحلق عنه يوم أسبوعه، وهي العقيقة‏.‏ وفي حديث الإيمان‏:‏ ‏(‏وأدناها إماطة الأذى عن الطريق‏)‏ أي تنحيته، يعني الشوك والحجر، وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار‏.‏ وقوله تعالى‏{‏ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر‏}‏النساء‏:‏ 102‏]‏ وسيأتي‏.‏

استدل من منع وطء المستحاضة بسيلان دم الاستحاضة، فقالوا‏:‏ كل دم فهو أذى، يجب غسله من الثوب والبدن، فلا فرق في المباشرة بين دم الحيض والاستحاضة لأنه كله رجس‏.‏ وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة كما يصلى بسلس البول، هذا قول إبراهيم النخعي وسليمان بن يسار والحكم بن عيينة وعامر الشعبي وابن سيرين والزهري‏.‏ واختلف فيه عن الحسن، وهو قول عائشة‏:‏ لا يأتيها زوجها، وبه قال ابن علية والمغيرة بن عبدالرحمن، وكان من أعلى أصحاب مالك، وأبو مصعب، وبه كان يفتي‏.‏ وقال جمهور العلماء‏:‏ المستحاضة تصوم وتصلي وتطوف وتقرأ، ويأتيها زوجها‏.‏ قال مالك‏:‏ أمر أهل الفقه والعلم على هذا، وإن كان دمها كثيرا، رواه عنه ابن وهب‏.‏ وكان أحمد يقول‏:‏ أحب إلي ألا يطأها إلا أن يطول ذلك بها‏.‏ وعن ابن عباس في المستحاضة‏:‏ ‏(‏لا بأس أن يصيبها زوجها وإن كان الدم يسيل على عقبيها‏)‏‏.‏ وقال مالك‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما ذلك عرق وليس بالحيضة‏)‏‏.‏ فإذا لم تكن حيضة فما يمنعه أن يصيبها وهي تصلي‏!‏ قال ابن عبدالبر‏:‏ لما حكم الله عز وجل في دم المستحاضة بأنه لا يمنع الصلاة وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحائض وجب ألا يحكم له بشيء من حكم الحيض إلا فيما أجمعوا عليه من غسله كسائر الدماء‏.‏

قوله تعالى‏{‏فاعتزلوا النساء في المحيض‏}‏ أي في زمن الحيض، إن حملت المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم‏.‏ ومقصود هذا النهي ترك المجامعة‏.‏ وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، فروي عن ابن عباس وعبيدة السلماني ‏(‏أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت‏)‏‏.‏ وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء‏.‏ وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه، وقد وقفت على ابن عباس خالته ميمونة وقالت له‏:‏ أراغب أنت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏!‏ وقال مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعة عظيمة من العلماء‏:‏ له منها ما فوق الإزار، لقوله عليه السلام للسائل حين سأله‏:‏ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض‏؟‏ فقال - ‏:‏ ‏(‏لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها‏)‏ وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت‏:‏ ‏(‏شدي على نفسك إزارك ثم عودي إلى مضجعك‏)‏‏.‏ وقال الثوري ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعي‏:‏ يجتنب موضع الدم، لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏اصنعوا كل شيء إلا النكاح‏)‏‏.‏ وقد تقدم‏.‏ وهو قول داود، وهو الصحيح من قول الشافعي‏.‏ وروى أبو معشر عن إبراهيم عن مسروق قال‏:‏ سألت عائشة ما يحل لي من امرأتي وهي حائض فقالت‏:‏ كل شيء إلا الفرج‏.‏ قال العلماء‏:‏ مباشرة الحائض وهي متزرة على الاحتياط والقطع للذريعة، ولأنه لو أباح فخذيها كان ذلك من ذريعة إلى موضع الدم المحرم بإجماع فأمر بذلك احتياطا، والمحرم نفسه موضع الدم، فتتفق بذلك معاني الآثار، ولا تضاد، وبالله التوفيق‏.‏

واختلفوا في الذي يأتي امرأته وهي حائض ماذا عليه، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة‏:‏ يستغفر الله ولا شيء عليه، وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد، وبه قال داود‏.‏ وروي عن محمد بن الحسن‏:‏ يتصدق بنصف دينار‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ما أحسن حديث عبدالحميد عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يتصدق بدينار أو نصف دينار‏)‏‏.‏ أخرجه أبو داود وقال‏:‏ هكذا الرواية الصحيحة، قال‏:‏ دينار أو نصف دينار، واستحبه الطبري‏.‏ فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وهو قول الشافعي ببغداد‏.‏ وقالت فرقة من أهل الحديث‏:‏ إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاعه فنصف دينار‏.‏ وقال الأوزاعي‏:‏ من وطئ امرأته وهي حائض تصدق بخمسي دينار، والطرق لهذا كله في ‏"‏سنن أبي داود والدارقطني‏"‏ وغيرهما‏.‏ وفي كتاب الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار‏)‏‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس، وأن مثله لا تقوم به حجة، وأن الذمة على البراءة، ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه، وذلك معدوم في هذه المسألة‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولا تقربوهن حتى يطهرن‏}‏ قال ابن العربي‏:‏ سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول‏:‏ إذا قيل لا تقرب ‏(‏بفتح الراء‏)‏ كان معناه‏:‏ لا تلبس بالفعل، وإن كان بضم الراء كان معناه‏:‏ لا تدن منه‏.‏ وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه ‏{‏يطهرن‏}‏ بسكون الطاء وضم الهاء‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل ‏{‏يطهرن‏}‏ بتشديد الطاء والهاء وفتحهما‏.‏ وفي مصحف أبي وعبدالله ‏{‏يتطهرن‏}‏‏.‏ وفي مصحف أنس بن مالك ‏{‏ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن‏}‏‏.‏ ورجح الطبري قراءة تشديد الطاء، وقال‏:‏ هي بمعنى يغتسلن، لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر‏.‏ قال‏:‏ وإنما الخلاف في الطهر ما هو، فقال قوم‏:‏ هو الاغتسال بالماء‏.‏ وقال قوم‏:‏ هو وضوء كوضوء الصلاة‏.‏ وقال قوم‏:‏ هو غسل الفرج، وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة، ورجح أبو علي الفارسي قراءة تخفيف الطاء، إذ هو ثلاثي مضاد لطمث وهو ثلاثي‏.‏

قوله تعالى‏{‏فإذا تطهرن‏}‏ يعني بالماء، وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء، وأن الطهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهر الجنب، ولا يجزئ من ذلك تيمم ولا غيره، وبه قال مالك والشافعي والطبري ومحمد بن مسلمة وأهل المدينة وغيرهم‏.‏ وقال يحيى بن بكير ومحمد بن كعب القرظي‏:‏ إذا طهرت الحائض وتيممت - حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل‏.‏ وقال مجاهد وعكرمة وطاوس‏:‏ انقطاع الدم يحلها لزوجها‏.‏ ولكن بأن تتوضأ‏.‏ وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد‏:‏ إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة‏.‏ وهذا تحكم لا وجه له، وقد حكموا للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحبس في العدة وقالوا لزوجها‏:‏ عليها الرجعة ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل، مع موافقة أهل المدينة‏.‏ ودليلنا أن الله سبحانه علق الحكم فيها على شرطين‏:‏ أحدهما‏:‏ انقطاع الدم، وهو قوله تعالى‏{‏حتى يطهرن‏}‏‏.‏ والثاني‏:‏ الاغتسال بالماء، وهو قوله تعالى‏{‏فإذا تطهرن‏}‏ أي يفعلن الغسل بالماء، وهذا مثل قوله تعالى‏{‏وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح‏}‏النساء‏:‏ 6‏]‏ الآية، فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين‏:‏ أحدهما‏:‏ بلوغ المكلف النكاح‏.‏ والثاني‏:‏ إيناس الرشد، وكذلك قوله تعالى في المطلقة‏{‏فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره‏}‏البقرة‏:‏ 230‏]‏ ثم جاءت السنة باشتراط العسيلة، فوقف التحليل على الأمرين جميعا، وهو انعقاد النكاح ووجود الوطء‏.‏ احتج أبو حنيفة فقال‏:‏ إن معنى الآية، الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها، فيكون قوله‏{‏حتى يطهرن‏}‏ مخففا هو بمعنى قوله‏{‏يطهرن‏}‏ مشددا بعينه، ولكنه جمع بين اللغتين في الآية، كما قال تعالى‏{‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين‏}‏التوبة‏:‏ 108‏]‏‏.‏ قال الكميت‏:‏

وما كانت الأنصار فيها أذلة ولا غيبا فيها إذا الناس غيب

وأيضا فإن القراءتين كالآيتين فيجب أن يعمل بهما‏.‏ ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنى، فنحمل المخففة على ما إذا انقطع دمها للأقل، فإنا لا نجوز وطأها حتى تغتسل، لأنه لا يؤمن عوده‏:‏ ونحمل القراءة الأخرى على ما إذا انقطع دمها للأكثر فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهذا أقوى ما لهم، فالجواب عن الأول‏:‏ أن ذلك ليس من كلام الفصحاء، ولا ألسن البلغاء، فإن ذلك يقتضي التكرار في التعداد، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس، فكيف في كلام العليم الحكيم‏!‏ وعن الثاني‏:‏ أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون معنى الأخرى، فيلزمهم إذا انقطع الدم ألا يحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل في الرجعة، وهم لا يقولون ذلك كما بيناه، فهي إذا حائض، والحائض لا يجوز وطؤها اتفاقا‏.‏ وأيضا فإن ما قالوه يقتضي إباحة الوطء عند انقطاع الدم للأكثر وما قلناه يقتضي الحظر، وإذا تعارض ما يقتضي الحظر وما يقتضي الإباحة ويغلب باعثاهما غلب باعث الحظر، كما قال علي وعثمان في الجمع بين الأختين بملك اليمين، أحلتهما آية وحرمتهما أخرى، والتحريم أولى‏.‏ والله أعلم‏.‏

واختلف علماؤنا في الكتابية هل تجبر على الاغتسال أم لا، فقال مالك في رواية ابن القاسم‏:‏ نعم، ليحل للزوج وطؤها، قال الله تعالى‏{‏ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن‏}‏ يقول بالماء، ولم يخص مسلمة من غيرها‏.‏ وروى أشهب عن مالك أنها لا تجبر على الاغتسال من المحيض، لأنها غير معتقدة لذلك، لقوله تعالى‏{‏ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله‏.‏ في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر‏}‏البقرة‏:‏ 228‏]‏ وهو الحيض والحمل، وإنما خاطب الله عز وجل بذلك المؤمنات، وقال‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏البقرة‏:‏ 256‏]‏ وبهذا كان يقول محمود بن عبدالحكم‏.‏

وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة، وليس عليها نقض شعرها في ذلك، لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت قلت‏:‏ يا رسول الله، إني أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين‏)‏ وفي رواية‏:‏ أفأنقضه للحيضة والجنابة‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا‏)‏ زاد أبو داود‏:‏ ‏(‏واغمزي قرونك عند كل حفنة‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏فأتوهن من حيث أمركم الله‏}‏ أي فجامعوهن‏.‏ وهو أمر إباحة، وكنى بالإتيان عن الوطء، وهذا الأمر يقوي ما قلناه من أن المراد بالتطهر الغسل بالماء، لأن صيغة الأمر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه الأكمل‏.‏ والله أعلم‏.‏ و‏{‏من‏}‏ بمعنى في، أي في حيث أمركم الله تعالى وهو القبل، ونظيره قوله تعالى‏{‏أروني ماذا خلقوا من الأرض‏}‏فاطر‏:‏ 40‏]‏ أي في الأرض،‏:‏ وقوله‏{‏إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة‏}‏الجمعة‏:‏ 9‏]‏ أي في يوم الجمعة‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى، أي من الوجه الذي أذن لكم فيه، أي من غير صوم وإحرام واعتكاف، قاله الأصم‏.‏ وقال ابن عباس وأبو رزين‏:‏ ‏(‏من قبل الطهر لا من قبل الحيض‏)‏، وقاله الضحاك‏.‏ وقال محمد بن الحنفية‏:‏ المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنى‏.‏

قوله تعالى‏{‏إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين‏}‏ اختلف فيه، فقيل‏:‏ التوابون من الذنوب والشرك‏.‏ والمتطهرون أي بالماء من الجنابة والأحداث، قاله عطاء وغيره‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ من الذنوب، وعنه أيضا‏:‏ من إتيان النساء في أدبارهن‏.‏ ابن عطية‏:‏ كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط‏{‏أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون‏}‏الأعراف‏:‏ 82‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ المتطهرون الذين لم يذنبوا‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب، قيل‏:‏ قدمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه، كما ذكر في آية أخرى‏{‏فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات‏}‏الملائكة‏:‏ 32‏]‏ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى‏.‏

 الآية رقم ‏(‏223‏)‏

‏{‏نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين‏}‏

قوله تعالى‏{‏نساؤكم حرث لكم‏}‏‏"‏روى الأئمة واللفظ للمسلم عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ ‏(‏كانت اليهود تقول‏:‏ إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول‏)‏، فنزلت الآية ‏{‏نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم‏}‏ زاد في رواية عن الزهري‏:‏ إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير إن ذلك في صمام واحد‏.‏ ويروى‏:‏ في سمام واحد بالسين، قاله الترمذي‏.‏ وروى البخاري عن نافع قال‏:‏ كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يوما، فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال‏:‏ أتدري فيم أنزلت‏؟‏ قلت‏:‏ لا، قال‏:‏ نزلت في كذا وكذا، ثم مضى‏.‏ وعن عبدالصمد قال‏:‏ حدثني أبي قال حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر‏{‏فأتوا حرثكم أنى شئتم‏}‏ قال‏:‏ يأتيها في‏.‏ قال الحميدي‏:‏ يعني الفرج‏.‏ وروى أبو داود عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏إن ابن عمر والله يغفر له وهِم، إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب‏:‏ وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت‏:‏ إنما كنا نؤتى على حرف‏!‏ فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، حتى شري أمرهما‏)‏‏؟‏ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل‏{‏فأتوا حرثكم أنى شئتم‏}‏، أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد‏.‏ وروى الترمذي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، هلكت‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏وما أهلكك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ حولت رحلي الليلة، قال‏:‏ فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، قال‏:‏ فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية‏{‏نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم‏}‏ أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة‏)‏ قال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏ وروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى ابن عمر‏:‏ قد أكثر عليك القول‏.‏ إنك تقول عن ابن عمر‏:‏ ‏(‏أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن‏)‏‏.‏ قال نافع‏:‏ لقد كذبوا علي‏!‏ ولكن سأخبرك كيف كان الأمر‏:‏ إن ابن عمر عرض علي المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ‏{‏نسائكم حرث لكم‏{‏، قال نافع‏:‏ هل تدري ما أمر هذه الآية‏؟‏ إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله سبحانه‏{‏نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم‏}‏‏.‏

هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا، ولا يباح‏!‏ وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم‏.‏ و‏{‏حرث‏}‏ تشبيه، لأنهن مزدرع الذرية، فلفظ ‏{‏الحرث‏}‏ يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع‏.‏ وأنشد ثعلب‏:‏

إنما الأرحام أر ضون لنا محترثات

فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات

ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى المحترث‏.‏ ووحد الحرث لأنه مصدر، كما يقال‏:‏ رجل صوم، وقوم صوم‏.‏

قوله تعالى‏{‏أنى شئتم‏}‏ معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى‏:‏ من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة، كما ذكرنا آنفا‏.‏ و‏{‏أنى‏}‏ تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات، فهو أعم في اللغة من ‏{‏كيف‏}‏ ومن ‏{‏أين‏}‏ ومن ‏{‏متى‏}‏، هذا هو الاستعمال العربي في ‏{‏أنى‏}‏‏.‏ وقد فسر الناس ‏{‏أنى‏}‏ في هذه الآية بهذه الألفاظ‏.‏ وفسرها سيبوبه بـ ‏{‏كيف‏}‏ ومن ‏{‏أين‏}‏ باجتماعهما‏.‏ وذهبت فرقة ممن فسرها بـ ‏{‏أين‏}‏ إلى أن الوطء في الدبر مباح، وممن نسب إليه هذا القول‏:‏ سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبدالملك بن الماجشون، وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى كتاب السر ‏.‏ وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر ‏.‏ ووقع هذا القول في العتبية‏.‏ وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن ‏.‏ وقال الكيا الطبري‏:‏ وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا، ويتأول فيه قول الله عز وجل‏{‏أتأتون الذكران من العالمين‏.‏ وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم‏}‏الشعراء‏:‏ 166‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له، حتى يقال‏:‏ تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح‏.‏ قال الكيا‏:‏ وهذا فيه نظر، إذ معناه‏:‏ وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتك، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى‏.‏ وفي قوله تعالى‏{‏فإذا تطهرن فأتوا من حيث أمركم الله‏}‏ مع قوله‏{‏فأتوا حرثكم‏}‏ ما يدل على أن في المأتى اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد‏.‏

قلت‏:‏ هذا هو الحق في المسألة‏.‏ وقد ذكر أبو عمر بن عبدالبر أن العلماء لم اختلفوا في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبدالعزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك، لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج‏.‏ وفي إجماعهم أيضا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد‏.‏ والصحيح في هذه المسألة ما بيناه‏.‏ وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك، لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث، لقوله تعالى‏{‏فأتوا حرثكم‏}‏، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق‏.‏ وقد قال أصحاب أبي حنيفة‏:‏ إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم، ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض، فكان أشنع‏.‏ وأما صمام البول فغير صمام الرحم‏.‏ وقال ابن العربي في قبسه‏:‏ قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه‏:‏ الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين، وأخرج يده عاقدا بها‏.‏ وقال‏:‏ مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة‏.‏ فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة‏.‏ وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال‏:‏ كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي‏!‏ ثم قال‏:‏ ألستم قوما عربا‏؟‏ ألم يقل الله تعالى‏{‏نساؤكم حرث لكم‏}‏ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت‏!‏ وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل‏{‏أنى شئتم‏}‏ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم‏.‏ وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه تحريم المحل المكروه ‏.‏ ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه ‏(‏إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه‏.‏ وقد حذرنا من زلة العالم‏.‏ وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به رضي الله عنه‏.‏ وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي، وقد تقدم‏.‏ وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه‏.‏ وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال‏:‏ قلت لابن عمر‏:‏ ما تقول في الجواري حين أحمض بهن‏؟‏ قال‏:‏ وما التحميض‏؟‏ فذكرت له الدبر، فقال‏:‏ هل يفعل ذلك أحد من المسلمين‏!‏ وأسند عن خزيمة بن ثابت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن‏)‏‏.‏ ومثله عن علي بن طلق‏.‏ وأسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة‏)‏ وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏تلك اللوطية الصغرى‏)‏ يعني إتيان المرأة في دبرها‏.‏ وروي عن طاوس أنه قال‏:‏ كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه‏.‏

قوله تعالى‏{‏وقدموا لأنفسكم‏}‏ أي قدموا ما ينفعكم غدا، فحذف المفعول، وقد صرح به في قوله تعالى‏{‏وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله‏}‏البقرة‏:‏ 11‏]‏‏.‏ فالمعنى قدموا لأنفسكم الطاعة والعمل الصالح‏.‏ وقيل ابتغاء الولد والنسل، لأن الولد خير الدنيا والآخرة، فقد يكون شفيعا وجنة‏.‏ وقيل‏:‏ هو التزوج بالعفائف، ليكون الولد صالحا طاهرا‏.‏ وقيل‏:‏ هو تقدم الإفراط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم‏)‏ الحديث‏.‏ وسيأتي في مريم إن شاء الله تعالى‏.‏ وقال ابن عباس وعطاء‏:‏ أي قدموا ذكر الله عند الجماع، كما قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدا‏)‏‏.‏ أخرجه مسلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏واتقوا الله‏}‏ تحذير ‏{‏واعلموا أنكم ملاقوه‏}‏ خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والإثم‏.‏ وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال‏:‏ سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول‏:‏ ‏(‏إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا‏)‏ - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏{‏واتقوا الله وأعلموا أنكم ملاقوه‏}‏‏.‏‏"‏ أخرجه مسلم بمعناه‏"‏‏.‏ ‏{‏وبشر المؤمنين‏}‏ تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى‏.‏

 الآية رقم ‏(‏224‏)‏

‏{‏ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم‏}‏

قال العلماء‏:‏ لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال‏:‏ لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا، قال معناه ابن عباس والنخعي ومجاهد والربيع وغيرهم‏.‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ ‏(‏هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس، فيقال له‏:‏ بر، فيقول‏:‏ قد حلفت‏)‏‏.‏ وقال بعض المتأولين‏:‏ المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح، فلا يحتاج إلى تقدير ‏{‏لا‏}‏ بعد ‏{‏أن‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب، ولهذا قال تعالى‏{‏واحفظوا أيمانكم‏}‏المائدة‏:‏ 89‏]‏‏.‏ وذم من كثر اليمين فقال تعالى‏{‏ولا تطع كل حلاف مهين‏}‏القلم‏:‏ 10‏]‏‏.‏ والعرب تمتدح بقلة الأيمان، حتى قال قائلهم‏:‏

قليل الألايا حافظ ليمينه وإن صدرت منه الألية برت

وعلى هذا ‏{‏أن تبروا‏}‏ معناه‏:‏ أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فان الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن‏.‏ مالك بن أنس‏:‏ بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل وقال الزجاج وغيره‏:‏ معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال‏:‏ علي يمين، وهو لم يحلف القتبي‏:‏ المعنى إذا حلفتم على ألا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين‏.‏

قلت‏:‏ وهذا حسن لما بيناه، وهو الذي يدل على سبب النزول، على ما نبينه في المسألة بعد هذا‏.‏

قيل‏:‏ نزلت بسبب الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين تكلم في عائشة رضي الله عنها، كما في حديث الإفك، وسيأتي بيانه في النور ، عن ابن جريج‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في الصديق أيضا حين حلف ألا يأكل مع الأضياف‏.‏ وقيل نزلت في عبدالله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته، والله أعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏عرضة لأيمانكم‏}‏ أي نصبا، عن الجوهري‏.‏ وفلان عرضة ذاك، أي عرضة لذلك، أي مقرن له قوي عليه‏.‏ والعرضة‏:‏ الهمة‏.‏ قال‏:‏

هم الأنصار عرضتها اللقاء

وفلان عرضة للناس‏:‏ لا يزالون يقعون فيه‏.‏ وجعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبته له، وقيل‏:‏ العرضة من الشدة والقوة، ومنه قولهم للمرأة‏:‏ عرضة للنكاح، إذا صلحت له وقويت عليه، ولفلان عرضة‏:‏ أي قوة على السفر والحرب، قال كعب بن زهير‏:‏

من كان نضاخة الذفرى إذا عرقت عرضتها طامس الأعلام مجهول

وقال عبدالله بن الزبير‏:‏

فهذي لأيام الحروب وهذه للهوي وهذي عرضة لارتحالنا

أي عدة‏.‏ وقال آخر‏:‏

فلا تجعلني عرضة للوائم

وقال أوس بن حجر‏:‏

وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها لرحلي وفيها هزة وتقاذف

والمعنى‏:‏ لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدة في الامتناع من البر‏.‏

قوله تعالى‏{‏أن تبروا وتتقوا‏}‏ مبتدأ وخبره محذوف، أي البر والتقوى والإصلاح أولى وأمثل، مثل ‏{‏طاعة وقول معروف‏}‏محمد‏:‏ 21‏]‏ عن الزجاج والنحاس‏.‏ وقيل‏:‏ محله النصب، أي لا تمنعكم اليمين بالله عز وجل البر والتقوى والإصلاح، عن الزجاج أيضا‏.‏ وقيل‏:‏ مفعول من أجله‏.‏ وقيل‏:‏ معناه ألا تبروا، فحذف ‏{‏لا‏}‏، كقوله تعالى‏{‏يبين الله لكم أن تضلوا‏}‏النساء‏:‏ 176‏]‏ أي لئلا تضلوا، قاله الطبري والنحاس‏.‏ ووجه رابع من وجوه النصب‏:‏ كراهة أن تبروا، ثم حذفت، ذكره النحاس والمهدوي‏.‏ وقيل‏:‏ هو في موضع خفض على قول الخليل والكسائي، التقدير‏:‏ في أن تبروا، فأضمرت ‏{‏في‏}‏ وخفضت بها‏.‏ و‏{‏سميع‏}‏ أي لأقوال العباد‏.‏ ‏{‏عليم‏}‏ بنياتهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏225‏)‏

‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم‏}‏

قوله تعالى‏{‏باللغو‏}‏ اللغو‏:‏ مصدر لغا يلغو ويلغى، ولغي يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خير فيه، أو بما يلغى إثمه، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت‏)‏‏.‏ ولغة أبي هريرة ‏{‏فقد لغيت‏}‏ وقال الشاعر‏:‏

ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم

وقال آخر‏:‏

ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم

واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو، فقال ابن عباس‏:‏ ‏(‏هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة‏:‏ لا والله، وبلى والله، دون قصد لليمين‏)‏‏.‏ قال المروزي‏:‏ لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل‏:‏ لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها‏.‏ وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ ‏(‏أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب‏)‏‏.‏ وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ نزل قوله تعالى‏:‏ ‏(‏‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ في قول الرجل‏:‏ لا والله، وبلى والله‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ اللغو ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه، قاله مالك، حكاه ابن القاسم عنه، وقال به جماعة من السلف‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ ‏(‏إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه، فإذا ليس هو، فهو اللغو، وليس فيه كفارة‏)‏، ونحوه عن ابن عباس‏.‏ وروي‏:‏ أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته، فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان، فإذا الأمر بخلاف ذلك، فقال الرجل‏:‏ حنث يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة‏)‏‏.‏ وفي الموطأ قال مالك‏:‏ أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه، فلا كفارة فيه‏.‏ والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أن فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا، أو يعتذر لمخلوق، أو يقتطع به مالا، فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله، مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك، أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه‏.‏ وروى عن ابن عباس - إن صح عنه - قال‏:‏ ‏(‏لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان‏)‏، وقاله طاوس‏.‏ وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يمين في غضب‏)‏ أخرجه مسلم‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ هو تحريم الحلال، فيقول‏:‏ مالي علي حرام إن فعلت كذا، والحلال علي حرام، وقاله مكحول الدمشقي، ومالك أيضا، إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه‏.‏ وقيل‏:‏ هو يمين المعصية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبدالرحمن وعروة وعبدالله ابنا الزبير، كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه، وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها‏)‏ أخرجه ابن ماجة في سننه، وسيأتي في المائدة أيضا‏.‏ وقال زيد بن أسلم لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه‏:‏ أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك، هو لغية إن فعل كذا‏.‏ مجاهد‏:‏ هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما‏:‏ والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر، والله لا أشتريه بكذا‏.‏ النخعي‏:‏ هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله‏.‏ وقال ابن عباس أيضا والضحاك‏:‏ ‏(‏إن لغو اليمين هي المكفرة، أي إذا كفرت اليمين سقطت وصارت لغوا، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير‏)‏‏.‏ وحكى ابن عبدالبر قولا‏:‏ أن اللغو أيمان المكره‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها‏.‏ لأنها جاءت على خلاف قصده، فهي لغو محض‏.‏

قلت‏:‏ ويمين المكره بمثابتها‏.‏ وسيأتي حكم من حلف مكرها في النحل إن شاء الله تعالى‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وأما من قال إنه يمين المعصية فباطل، لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة، والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية، ويقال له‏:‏ لا تفعل وكفر، فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر في قسمه‏.‏ وأما من قال‏:‏ إنه دعاء الإنسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا، فهو قول لغو، في طريق الكفارة، ولكنه منعقد في القصد، مكروه، وربما يؤاخذ به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه‏)‏‏.‏ وأما من قال إنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبي صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه‏.‏ وسيأتي في براءة ‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وأما من قال‏:‏ إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى‏.‏ وضعفه ابن عطية أيضا وقال‏:‏ قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو، فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في اليمين الغموس المصبورة، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة، لأن المؤاخذة قد وقعت فيها، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم‏.‏

قوله تعالى‏{‏في أيمانكم‏}‏ الأيمان جمع يمين، واليمين الحلف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا‏.‏ وقيل‏:‏ يمين فعيل من اليمن، وهو البركة، سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق‏.‏ ويمين تذكر وتؤنث، وتجمع أيمان وأيمن، قال زهير‏:‏

فتجمع أيمن منا ومنكم

قوله تعالى‏{‏ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم‏{‏ مثل قوله‏}‏ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان‏}‏المائدة‏:‏ 89‏]‏‏.‏ وهناك يأتي الكلام فيه مستوفى، إن شاء الله تعالى‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ قوله تعالى‏{‏ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم‏}‏ هو في الرجل يقول‏:‏ هو مشرك إن فعل، أي هذا اللغو، إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه‏.‏ و‏{‏غفور حليم‏}‏ صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏226 ‏:‏227‏)‏

‏{‏للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم‏}‏

قوله تعالى‏{‏للذين يؤلون‏}‏ ‏{‏يؤلون‏}‏ معناه يحلفون، والمصدر إيلاء وألية وألوة وإلوة‏.‏ وقرأ أبي وابن عباس ‏{‏للذين يقسمون‏}‏‏.‏ ومعلوم أن ‏{‏يقسمون‏}‏ تفسير ‏{‏يؤلون‏}‏‏.‏ وقرئ ‏{‏للذين آلوا‏}‏ يقال‏:‏ آلى يؤلي إيلاء، وتألى تأليا، وائتلى ائتلاء، أي حلف، ومنه ‏{‏ولا يأتل أولو الفضل منكم‏}‏، وقال الشاعر‏:‏

فآليت لا أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدي

وقال آخر‏:‏

قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت

وقال ابن دريد‏:‏

ألية باليعملات يرتمي بها النجاء بين أجواز الفلا

قال عبدالله بن عباس‏:‏ كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقت لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي‏.‏

قلت‏:‏ وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده، كذا في صحيح مسلم‏.‏ وقيل‏:‏ لأن زينب ردت عليه هديته، فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن، ذكره ابن ماجة‏.‏

ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق، فالحر والعبد والسكران يلزمه الإيلاء‏.‏ وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون، وكذلك الخصي إذا لم يكن مجبوبا، والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط‏.‏ واختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى، ففي قول‏:‏ لا إيلاء له‏.‏ وفي قول‏:‏ يصح إيلاؤه، والأول أصح وأقرب إلى الكتاب والسنة، فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين، والفيء بالقول لا يسقطها، فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقي حكم الإيلاء‏.‏ وإيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له، وكذلك الأعجمي إذا آلى من نسائه‏.‏

واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين، فقال قوم‏:‏ لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت‏)‏‏.‏ وبه قال الشافعي في الجديد‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏(‏كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء‏)‏، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثوري وأهل العراق، والشافعي في القول الآخر، وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر والقاضي أبو بكر بن العربي‏.‏ قال ابن عبدالبر‏:‏ وكل يمين لا يقدر صاحبها على جماع امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مول، إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر، فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال‏:‏ أقسم بالله، أو أشهد بالله، أو علي عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته فإنه يلزمه الإيلاء‏.‏ فإن قال‏:‏ أقسم أو أعزم ولم يذكر بـ ‏{‏الله‏}‏ فقيل‏:‏ لا يدخل عليه الإيلاء، إلا أن يكون أراد بـ ‏{‏الله‏}‏ ونواه‏.‏ ومن قال إنه يمين يدخل عليه، وسيأتي بيانه في المائدة إن شاء الله تعالى‏.‏ فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته فقال‏:‏ إن وطئتك فعلي صيام شهر أو سنة فهو مول‏.‏ وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة‏.‏ والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى‏{‏للذين يؤلون‏}‏ ولم يفرق، فإذا آلى بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الإيلاء‏.‏

فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى فقال‏:‏ إن شاء الله فإنه يكون موليا، فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية ابن القاسم عن مالك‏.‏ وقال ابن الماجشون في المبسوط‏:‏ ليس بمول، وهو أصح لأن الاستثناء يحل اليمين ويجعل الحالف كأنه لم يحلف، وهو مذهب فقهاء الأمصار، لأنه بين بالاستثناء أنه غير عازم على الفعل‏.‏ ووجه ما رواه ابن القاسم مبني على أن الاستثناء لا يحل اليمين، ولكنه يؤثر في إسقاط الكفارة، على ما يأتي بيانه في المائدة فلما كانت يمينه باقية منعقدة لزمه حكم الإيلاء وإن لم تجب عليه كفارة‏.‏ فإن حلف بالنبي أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها، أو قال هو يهودي أو نصراني أو زان إن وطئها، فهذا ليس بمول، قاله مالك وغيره‏.‏ قال الباجي‏:‏ ومعنى ذلك عندي أنه أورده على غير وجه القسم، وأما لو أورده على أنه مول بما قاله من ذلك أو غيره، ففي المبسوط‏:‏ أن ابن القاسم سئل عن الرجل يقول لامرأته‏:‏ لا مرحبا، يريد بذلك الإيلاء يكون موليا، قال‏:‏ قال مالك‏:‏ كل كلام نوي به الطلاق فهو طلاق، وهذا والطلاق سواء‏.‏

واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن، فقال ابن عباس‏:‏ ‏(‏لا يكون موليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا‏)‏‏.‏ وقال طائفة‏:‏ إذا حلف ألا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، روي هذا عن ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم وحماد بن أبي سليمان وقتادة، وبه قال إسحاق‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ الإيلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر، فان حلف على أربعة فما دونها لا يكون موليا، وكانت عندهم يمينا محضا، لو وطئ في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان، هذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور‏.‏ وقال الثوري والكوفيون‏:‏ الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا، وهو قول عطاء‏.‏ قال الكوفيون‏:‏ جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر كما جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، وفي العدة ثلاثة قروء، فلا تربص بعد‏.‏ قالوا‏:‏ فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء، ولا يسقط إلا بالفيء وهو الجماع في داخل المدة، والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر‏.‏ واحتج مالك والشافعي فقالا‏:‏ جعل الله للمولي أربعة أشهر، فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها، كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل‏.‏ ووجه قول إسحاق - في قليل الأمد يكون صاحبه به موليا إذا لم يطأ - القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليا، لأنه قصد الإضرار باليمين، وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة‏.‏

واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر فانقضت الأربعة الأشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه، لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة‏.‏ ومن علمائنا من يقول‏:‏ يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية‏.‏ ومنهم ومن غيرهم من يقول‏:‏ يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر‏.‏ والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه، وذلك أن المولي لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفيء فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق، ولا يتركه حتى يفيء أو يطلق‏.‏ والفيء‏:‏ الجماع فيمن يمكن مجامعتها‏.‏ قال سليمان بن يسار‏:‏ كان تسعة رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء، قال مالك‏:‏ وذلك الأمر عندنا، وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، واختاره ابن المنذر‏.‏

وأجل المولي من يوم حلف لا من يوم تخاصمه امرأته وترفعه إلى الحاكم، فإن خاصمته ولم ترض بامتناعه من الوطء ضرب له السلطان أجل أربعة أشهر من يوم حلف، فإن وطئ فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر عن يمينه، وإن لم يفيء طلق عليه طلقة رجعية‏.‏ قال مالك‏:‏ فإن راجع لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة‏.‏ قال الأبهري‏:‏ وذلك أن الطلاق إنما وقع لدفع الضرر، فمتى لم يطأ فالضرر باق، فلا معنى للرجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته، لأن الضرر قد زال، وامتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر وإنما هو من أجل العذر‏.‏

واختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب، فقال ابن عباس‏:‏ ‏(‏لا إيلاء إلا بغضب‏)‏، وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المشهور عنه، وقاله الليث والشعبي والحسن وعطاء، كلهم يقولون‏:‏ ‏(‏الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشادة وحرجة ومناكدة ألا يجامعها في فرجها إضرارا بها، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم يكن، فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء‏)‏‏.‏ وقال ابن سيرين‏:‏ سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء، وقاله ابن مسعود والثوري ومالك وأهل العراق والشافعي وأصحابه وأحمد، إلا أن مالكا قال‏:‏ ما لم يرد إصلاح ولد‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ وهذا أصح، لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في حال الغضب والرضا كان الإيلاء كذلك‏.‏

قلت‏:‏ ويدل عليه عموم القرآن، وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ من وجه يلزم‏.‏ والله أعلم‏.‏

قال علماؤنا‏:‏ ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حلفها إضرارا بها أمر بوطئها، فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل‏.‏ وقد قيل‏:‏ يضرب أجل الإيلاء‏.‏ وقد قيل‏:‏ لا يدخل على الرجل الإيلاء في هجرته من زوجته وإن أقام سنين لا يغشاها، ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ضرارا‏.‏

واختلفوا فيمن حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل ولدها، ولم يرد إضرارا بها حتى ينقضي أمد الرضاع لم يكن لزوجته عند مالك مطالبة لقصد إصلاح الولد‏.‏ قال مالك‏:‏ وقد بلغني أن علي بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، والقول الآخر يكون موليا، ولا اعتبار برضاع الولد، وبه قال أبو حنيفة‏.‏

وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يكون موليا من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار لأنه يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان‏.‏ قال ابن أبي ليلى وإسحاق‏:‏ إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء، ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر الأربعة، فإن حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك، وهذا إنما يكون في سفر يتكلف المؤونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة‏.‏

قوله تعالى‏{‏من نسائهم‏}‏ يدخل فيه الحرائر والذميات والإماء إذا تزوجن‏.‏ والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته‏.‏ قال الشافعي وأحمد وأبو ثور‏:‏ إيلاؤه مثل إيلاء الحر، وحجتهم ظاهر

قوله تعالى‏{‏للذين يؤلون من نسائهم‏}‏ فكان ذلك لجميع الأزواج‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ وبه أقول‏.‏ وقال مالك والزهري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق‏:‏ أجله شهران‏.‏ وقال الحسن والنخعي‏:‏ إيلاؤه من زوجته الأمة شهران، ومن الحرة أربعة أشهر، وبه قال أبو حنيفة‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة‏.‏

قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والنخعي وغيرهم‏:‏ المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما‏.‏ وقال الزهري وعطاء والثوري‏:‏ لا إيلاء إلا بعد الدخول‏.‏ وقال مالك‏:‏ ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ، فإن آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها‏.‏

وأما الذمي فلا يصح إيلاؤه، كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه، وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح، وإنما لهم شبهة يد، ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان، فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم، ويذهبون إلى حكامهم، فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم الإسلام، كما لو ترك المسلم وطء زوجته ضرارا من غير يمين‏.‏

قوله تعالى‏{‏تربص أربعة أشهر‏}‏ التربص‏:‏ التأني والتأخر، مقلوب التصبر، قال الشاعر‏:‏

تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها

وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر، لقوله تعالى‏{‏واهجروهن في المضاجع‏}‏النساء‏:‏ 34‏]‏ وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهرا تأديبا لهن‏.‏ وقد قيل‏:‏ الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد‏:‏

ألا طال هذا الليل وأسود جانبه وأرقني أن لا حبيب ألاعبه

فوالله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه

مخافة ربي والحياء يكفني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه

فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها‏:‏ أين زوجك‏؟‏ فقالت‏:‏ بعثت به إلى العراق‏!‏ فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها‏؟‏ فقلن‏:‏ شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد صبرها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين، وهذا والله أعلم يقوي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر‏.‏

قوله تعالى‏{‏فإن فاؤوا‏}‏ معناه رجعوا، ومنه ‏{‏حتى تفيء إلى أمر الله‏}‏الحجرات‏:‏ 9‏]‏ ومنه قيل للظل بعد الزوال‏:‏ فيء، لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب، يقال‏:‏ فاء يفيء فيئة وفيوءا‏.‏ وإنه لسريع الفيئة، يعني الرجوع‏.‏ قال‏:‏

ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا

قال ابن المنذر‏:‏ أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له، فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ارتجاعه صحيح وهي امرأته، فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من مرضه، أو انطلاقه من سجنه فأبى الوطء فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت، قاله مالك في المدونة والمبسوط‏.‏ وقال عبدالملك‏:‏ وتكون بائنا منه يوم انقضت المدة، فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى، فان أكذب ما ادعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها، حمل أمره على الكذب فيها واللدد، وأمضيت الأحكام على ما كانت تجب في ذلك الوقت‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ إذا شهدت بينة بفيئته في حال العذر أجزأه، قاله الحسن وعكرمة والنخعي‏:‏ وبه قال الأوزاعي‏.‏ وقال النخعي أيضا‏:‏ يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط، ويسقط حكم الإيلاء، أرأيت إن لم ينتشر للوطء، قال ابن عطية‏:‏ ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر‏.‏ وقال أحمد بن حنبل‏:‏ إذا كان له عذر يفيء بقلبه، وبه قال أبو قلابة‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن لم يقدر على الجماع فيقول‏:‏ قد فئت إليها‏.‏ قال الكيا الطبري‏:‏ أبو حنيفة يقول فيمن آلى وهو مريض وبينه وبينها مدة أربعة أشهر، وهي رتقاء أو صغيره أو هو مجبوب‏:‏ إنه إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة والعذر قائم فذلك فيء صحيح، والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره، وكذلك قال سعيد بن جبير، قال‏:‏ وكذلك إن كان في سفر أو سجن‏.‏

أوجب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور العلماء الكفارة على المولي إذا فاء بجماع امرأته‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لا كفارة عليه، وبه قال النخعي، قال النخعي‏:‏ كانوا يقولون إذا فاء لا كفارة عليه‏.‏ وقال إسحاق‏:‏ قال بعض أهل التأويل في قوله تعالى‏{‏فإن فاؤوا‏}‏ يعني لليمين التي حنثوا فيها، وهو مذهب في الأيمان لبعض التابعين فيمن حلف على بر أو تقوى أو باب من الخير ألا يفعله فإنه يفعله ولا كفارة عليه، والحجة له قوله تعالى‏{‏فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم‏}‏، ولم يذكر كفارة، وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية، وترك وطء الزوجة معصية‏.‏

قلت‏:‏ وقد يستدل لهذا القول من السنة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها‏)‏ خرجه ابن ماجة في سننه‏.‏ وسيأتي لها مزيد بيان في آية الأيمان إن شاء الله تعالى‏.‏ وحجة الجمهور قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه‏)‏‏.‏

إذا كفر عن يمينه سقط عنه الإيلاء، قاله علماؤنا‏.‏ وفي ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب، وذلك إجماع في مسألة الإيلاء، ودليل على أبي حنيفة في مسألة الأيمان، إذ لا يرى جواز تقديم الكفارة على الحنث، قاله ابن العربي‏.‏

قلت‏:‏ بهذه الآية استدل محمد بن الحسن على امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال‏:‏ لما حكم الله تعالى للمولي بأحد الحكمين من فيء أو عزيمة الطلاق، فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء أو عزيمة الطلاق، لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحانث بالحنث شيء لم يكن موليا‏.‏ وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله، وذلك خلاف الكتاب‏.‏

قوله تعالى‏{‏وإن عزموا الطلاق‏}‏ العزيمة‏:‏ تتميم العقد على الشيء، يقال‏:‏ عزم عليه يعزم عزما ‏(‏بالضم‏)‏ وعزيمة وعزيما وعزمانا واعتزم اعتزاما، وعزمت عليك لتفعلن، أي أقسمت عليك‏.‏ قال شمر‏:‏ العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله‏.‏ والطلاق من طلقت المرأة تطلق ‏(‏على وزن نصر ينصر‏)‏ طلاقا، فهي طالق وطالقة أيضا‏.‏ قال الأعشى‏:‏

أيا جارتا بيني فإنك طالقة

ويجوز طلقت ‏(‏بضم اللام‏)‏ مثل عظم يعظم، وأنكره الأخفش‏.‏ والطلاق حل عقدة النكاح، وأصله الانطلاق، والمطلقات المخليات، والطلاق‏:‏ التخلية، يقال‏:‏ نعجة طالق، وناقة طالق، أي مهملة قد تركت في المرعى لا قيد عليها ولا راعي، وبعير طلق ‏(‏بضم الطاء واللام‏)‏ غير مقيد، والجمع أطلاق، وحبس فلان في السجن طلقا أي بغير قيد، والطالق من الإبل‏:‏ التي يتركها الراعي لنفسه لا يحتلبها على الماء، يقال‏:‏ استطلق الراعي ناقة لنفسه‏.‏ فسميت المرأة المخلى سبيلها بما سميت به النعجة أو الناقة المهمل أمرها‏.‏ وقيل‏:‏ إنه مأخوذ من طلق الفرس، وهو ذهابه شوطا لا يمنع، فسميت المرأة المخلاة طالقا لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة‏.‏

في قوله تعالى‏{‏وإن عزموا الطلاق‏}‏ دليل على أنها لا تطلق بمضي مدة أربعة أشهر، كما قال مالك‏:‏ ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضا فإنه قال‏{‏سميع‏}‏ وسميع يقتضي مسموعا بعد المضي‏.‏ وقال أبو حنيفة‏{‏سمع‏}‏ لإيلائه، ‏{‏عليم‏}‏ بعزمه الذي دل عليه مضي أربعة أشهر‏.‏ وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال‏:‏ سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول‏:‏ ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق‏.‏ قال القاضي ابن العربي‏:‏ وتحقيق الأمر أن تقدير الآية عندنا‏{‏للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا بعد انقضائها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم‏}‏‏.‏ وتقديرها عندهم‏{‏للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا‏}‏ فيها ‏{‏فإن الله غفور رحيم‏.‏ وإن عزموا الطلاق‏}‏ بترك الفيئة فيها، يريد مدة التربص فيها ‏{‏فإن الله سميع عليم‏}‏‏.‏ ابن العربي‏:‏ وهذا احتمال متساو، ولأجل تساويه توقفت الصحابة فيه‏.‏

قلت‏:‏ وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى قياسا على المعتدة بالشهور والأقراء، إذ كل ذلك أجل ضربه الله تعالى، فبانقضائه انقطعت العصمة وأبينت من غير خلاف، ولم يكن لزوجها سبيل عليها إلا بإذنها، فكذلك الإيلاء، حتى لو نسي الفيء وانقضت المدة لوقع الطلاق، والله أعلم‏.‏

وفي قوله تعالى‏{‏وإن عزموا الطلاق‏}‏ دليل على أن الأمة بملك اليمين لا يكون فيها إيلاء، إذ لا يقع عليها طلاق، والله أعلم‏.‏

 الآية رقم (228)‏

‏{‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏والمطلقات‏}‏ لما ذكر الله تعالى الإيلاء وأن الطلاق قد يقع فيه بين تعالى حكم المرأة بعد التطليق‏.‏ وفي ‏"‏ أبي داود والنسائي عن ابن عباس‏"‏ قال في قول الله تعالى‏{‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏}‏ الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق بها، وإن طلقها ثلاثا‏)‏، فنسخ ذلك وقال‏{‏الطلاق مرتان‏}‏ الآية‏.‏ والمطلقات لفظ عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهن، وخرجت المطلقة قبل البناء بآية الأحزاب ‏{‏فما لكم عليهن من عدة تعتدونها‏}‏الأحزاب‏:‏ 49‏]‏ على ما يأتي‏.‏ وكذلك الحامل بقوله‏{‏وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن‏}‏الطلاق‏:‏ 4‏]‏‏.‏ والمقصود من الأقراء الاستبراء، بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة‏.‏ وجعل الله عدة الصغيرة التي لم تحض والكبيرة التي قد يئست الشهور على ما يأتي‏.‏ وقال قوم‏:‏ إن العموم في المطلقات يتناول هؤلاء ثم نسخن، وهو ضعيف، وإنما الآية فيمن تحيض خاصة، وهو عرف النساء وعليه معظمهن‏.‏

قوله تعالى‏{‏يتربصن‏}‏ التربص الانتظار، على ما قدمناه‏.‏ وهذا خبر والمراد الأمر، كقوله تعالى‏{‏والوالدات يرضعن أولادهن‏}‏البقرة‏:‏ 233‏]‏ وجمع رجل عليه ثيابه، وحسبك درهم، أي اكتف بدرهم، هذا قول أهل اللسان من غير خلاف بينهم فيما ذكر ابن الشجري‏.‏ ابن العربي‏:‏ وهذا باطل، وإنما هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع، ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره‏.‏ وقيل،‏:‏ معناه ليتربصن، فحذف اللام‏.‏

قرأ جمهور الناس ‏{‏قروء‏}‏ على وزن فعول، اللام همزة‏.‏ ويروى عن نافع ‏{‏قرو‏}‏ بكسر الواو وشدها من غير همز‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏قرء‏}‏ بفتح القاف وسكون الراء والتنوين‏.‏ وقروء جمع أقرؤ وأقراء، والواحد قرء بضم القاف، قال الأصمعي‏.‏ وقال أبو زيد‏{‏قرء‏}‏ بفتح القاف، وكلاهما قال‏:‏ أقرأت المرأة إذا حاضت، فهي مقرئ‏.‏ وأقرأت طهرت‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت‏:‏ قرأت، بلا ألف‏.‏ يقال‏:‏ أقرأت المرأة حيضة أو حيضتين‏.‏ والقرء‏:‏ انقطاع الحيض‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ ما بين الحيضتين وأقرأت حاجتك‏:‏ دنت، عن الجوهري‏.‏ وقال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ من العرب من يسمي الحيض قرءا، ومنهم من يسمي الطهر قرءا، ومنهم من يجمعهما جميعا، فيسمي الطهر مع الحيض قرءا، ذكره النحاس‏.‏

واختلف العلماء في الأقراء، فقال أهل الكوفة‏:‏ هي الحيض، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي‏.‏ وقال أهل الحجاز‏:‏ هي الأطهار، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي‏.‏ فمن جعل القرء اسما للحيض سماه بذلك، لاجتماع الدم في الرحم، ومن جعله اسما للطهر فلاجتماعه في البدن، والذي يحقق لك هذا الأصل في القرء الوقت، يقال‏:‏ هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقتها، قال الشاعر‏:‏

كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح

فقيل للحيض‏:‏ وقت، وللطهر وقت، لأنهما يرجعان لوقت معلوم، وقال الأعشى في الأطهار‏:‏

أفي كل عام أنت جاشم غزوة تسد لأقصاها عزيم عزائكا

مورثة عزا وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا

وقال آخر في الحيض‏:‏

يا رب ذي ضغن علي فارض له قروء كقروء الحائض

يعني أنه طعنه فكان له دم كدم الحائض‏.‏ وقال قوم‏:‏ هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض‏.‏ وهو جمعه، ومنه القرآن لاجتماع المعاني‏.‏ ويقال لاجتماع حروفه، ويقال‏:‏ ما قرأت الناقة سلى قط، أي لم تجمع في جوفها، وقال عمرو بن كلثوم‏:‏

ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا

فكأن الرحم يجمع الدم وقت الحيض، والجسم يجمعه وقت الطهر‏.‏ قال أبو عمر بن عبدالبر‏:‏ قول من قال‏:‏ إن القرء مأخوذ من قولهم‏:‏ قريت الماء في الحوض ليس بشيء، لأن القرء مهموز وهذا غير مهموز‏.‏

قلت‏:‏ هذا صحيح بنقل أهل اللغة‏:‏ الجوهري وغيره‏.‏ واسم ذلك الماء قرى ‏(‏بكسر القاف مقصور‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ القرء، الخروج إما من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر، وعلى هذا قال الشافعي في قول‏:‏ القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءا‏.‏ وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءا، ويكون معنى قوله تعالى‏{‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏}‏‏.‏ أي ثلاثة أدوار أو ثلاثة انتقالات، والمطلقة متصفة بحالتين فقط، فتارة تنتقل من طهر إلى حيض، وتارة من حيض إلى طهر فيستقيم معنى الكلام، ودلالته على الطهر والحيض جميعا، فيصير الاسم مشتركا‏.‏ ويقال‏:‏ إذا ثبت أن القرء الانتقال فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية أصلا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا مأمورا به، وهو الطلاق للعدة، فإن الطلاق للعدة ما كان في الطهر، وذلك يدل على كون القرء مأخوذا من الانتقال، فإذا كان الطلاق في الطهر سنيا فتقدير الكلام‏:‏ فعدتهن ثلاثة انتقالات، فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قرءا، لأن اللغة لا تدل عليه، ولكن عرفنا بدليل آخر، إن الله تعالى لم يرد الانتقال من حيض إلى طهر، فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مرادا بقي الآخر وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادا، فعلى هذا عدتها ثلاثة انتقالات، أولها الطهر، وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر، ولا يكون ذلك حملا على المجاز بوجه ما‏.‏ قال الكيا الطبري‏:‏ وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي، ويمكن أن نذكر في ذلك سرا لا يبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة، وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم، فإن الحامل لا تحيض في الغالب فبحيضها علم براءة رحمها‏.‏ والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، فان الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل وقوي الولد انقطع دمها، ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر، وقد مدحت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الشاعر‏:‏

ومبرأ من كل غبَّر حيضة وفساد مرضعة وداء مغْيَل

يعني أن أمه لم تحمل به في بقية حيضها‏.‏ فهذا ما للعلماء وأهل اللسان في تأويل القرء‏.‏ وقالوا‏:‏ قرأت المرأة إذا حاضت أو طهرت‏.‏ وقرأت أيضا إذا حملت‏.‏ واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت‏:‏ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فدليلنا قول الله تعالى‏{‏فطلقوهن لعدتهن‏}‏الطلاق‏:‏ 1‏]‏ ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة، فإنه قال‏{‏فطلقوهن‏}‏ يعني وقتا تعتد به، ثم قال تعالى‏{‏وأحصوا العدة‏}‏‏.‏ يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه، وقال صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏ ‏(‏مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء‏)‏‏.‏ أخرجه مسلم وغيره‏.‏ وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلق فيه النساء‏.‏ ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتد بذلك الحيض، ومن طلق في حال الطهر فإنها تعتد عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى‏.‏ قال أبو بكر بن عبدالرحمن‏:‏ ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة في ‏(‏أن الأقراء هي الأطهار‏)‏‏.‏ فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة ولو لحظة، ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة، ثم ثالثا بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة‏.‏ فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد أساء، واعتدت بما بقي من ذلك الطهر‏.‏ وقال الزهري في امرأة طلقت في بعض طهرها‏:‏ إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ لا أعلم أحدا ممن قال‏:‏ الأقراء الأطهار يقول هذا غير ابن شهاب الزهري، فإنه قال‏:‏ تلغي الطهر الذي طلقت فيه ثم تعتد بثلاثة أطهار، لأن الله عز وجل يقول ‏{‏ثلاثة قروء‏}‏‏.‏

قلت‏:‏ فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة، وقول ابن القاسم ومالك وجمهور أصحابه والشافعي وعلماء المدينة‏:‏ إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة، وهو مذهب زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر، وبه قال أحمد بن حنبل، وإليه ذهب داود بن علي وأصحابه‏.‏ والحجة على الزهري أن النبي صلى أذن في طلاق الطاهر من غير جماع، ولم يقل أول الطهر ولا آخره‏.‏ وقال أشهب‏:‏ لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض، لئلا تكون دفعة دم من غير الحيض‏.‏ احتج الكوفيون بقوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش حين شكت إليه الدم‏:‏ ‏(‏إنما ذلك عرق فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي وإذا مر القرء فتطهري ثم صلي من القرء إلى القرء‏)‏‏.‏ وقال تعالى‏{‏واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر‏}‏الطلاق‏:‏ 4‏]‏‏.‏ فجعل المأيوس منه المحيض، فدل على أنه هو العدة، وجعل العوض منه هو الأشهر إذا كان معدوما‏.‏ وقال عمر بحضرة الصحابة‏:‏ ‏(‏عدة الأمة حيضتان، نصف عدة الحرة، ولو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصفا لفعلت‏)‏، ولم ينكر عليه أحد‏.‏ فدل على أنه إجماع منهم، وهو قول عشرة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، وحسبك ما قالوا‏!‏ وقوله تعالى‏{‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏}‏ يدل على ذلك، لأن المعنى يتربصن ثلاثة أقراء، يريد كوامل، هذا لا يمكن أن يكون إلا على قولنا بأن الأقراء الحيض، لأن من يقول‏:‏ إنه الطهر يجوز أن تعتد بطهرين وبعض آخر، لأنه إذا طلق حال الطهر اعتدت عنده ببقية ذلك الطهر قرءا‏.‏ وعندنا تستأنف من أول الحيض حتى يصدق الاسم، فإذا طلق الرجل المرأة في طهر لم يطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة، فإذا اغتسلت من الثالثة خرجت من العدة‏.‏

قلت‏:‏ هذا يرده قوله تعالى‏{‏سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام‏}‏الحاقة‏:‏ 7‏]‏ فأثبت الهاء في ‏{‏ثمانية أيام‏}‏، لأن اليوم مذكر وكذلك القرء، فدل على أنه المراد‏.‏ ووافقنا أبو حنيفة على أنها إذا طلقت حائضا أنها لا تعتد بالحيضة التي طلقت فيها ولا بالطهر الذي بعدها، وإنما تعتد بالحيض الذي بعد الطهر‏.‏ وعندنا تعتد بالطهر، على ما بيناه‏.‏ وقد استجاز أهل اللغة أن يعبروا عن البعض باسم الجميع، كما قال تعالى‏{‏الحج أشهر معلومات‏}‏البقرة‏:‏ 197‏]‏ والمراد به شهران وبعض الثالث، فكذلك قوله‏{‏ثلاثة قروء‏}‏‏.‏ والله أعلم‏.‏ وقال بعض من يقول بالحيض‏:‏ إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة بعد الغسل وبطلت الرجعة، قال سعيد بن جبير وطاوس وابن شبرمة والأوزاعي‏.‏ وقال شريك‏:‏ إذا فرطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل‏.‏ وروي عن إسحاق بن راهويه أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج‏.‏ إلا أنها لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل من حيضتها‏)‏‏.‏ وروى نحوه عن ابن عباس، وهو قول ضعيف بدليل قول الله تعالى‏{‏فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن‏}‏البقرة‏:‏234‏]‏ على ما يأتي‏.‏ وأما ما ذكره الشافعي من أن نفس الانتقال من الطهر إلى الحيضة يسمى قرءا ففائدته تقصير العدة على المرأة، وذلك أنه إذا طلق المرأة في آخر ساعة من طهرها فدخلت في الحيضة عدته قرءا، وبنفس الانتقال من الطهر الثالث انقطعت العصمة وحلت‏.‏ والله أعلم‏.‏

والجمهور من العلماء على أن عدة الأمة التي تحيض من طلاق زوجها حيضتان‏.‏ وروي عن ابن سيرين أنه قال‏:‏ ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة، إلا أن تكون مضت في ذلك سنة‏:‏ فإن السنة أحق أن تتبع‏.‏ وقال الأصم عبدالرحمن بن كيسان وداود بن علي وجماعة أهل الظاهر‏:‏ إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء‏.‏ واحتج الجمهور بقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان‏)‏‏.‏ رواه ابن جريج عن عطاء عن مظاهر بن أسلم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان‏)‏ فأضاف إليها الطلاق والعدة جميعا، إلا أن مظاهر بن أسلم انفرد بهذا الحديث وهو ضعيف‏.‏ وروي عن ابن عمر‏:‏ أيهما رق نقص طلاقه، وقالت به فرقة من العلماء‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن‏}‏ فيه مسألتان‏:‏

الأولى‏:‏ قوله تعالى ‏{‏ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن‏}‏ أي من الحيض، قاله عكرمة والزهري والنخعي‏.‏ وقيل‏:‏ الحمل، قاله عمر وابن عباس‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الحيض والحمل معا، وهذا على أن الحامل تحيض‏.‏ والمعنى المقصود من الآية أنه لما دار أمر العدة على الحيض والأطهار ولا اطلاع إلا من جهة النساء جعل القول قولها إذا ادعت انقضاء العدة أو عدمها، وجعلهن مؤتمنات على ذلك، وهو مقتضى قوله تعالى‏{‏ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن‏}‏‏.‏ وقال سليمان بن يسار‏:‏ ولم نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن، ولكن وكل ذلك إليهن إذ كن مؤتمنات‏.‏ ومعنى النهي عن الكتمان النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة‏:‏ حضت، وهي لم تحض، ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت‏:‏ لم أحض، وهي قد حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألا ترتجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل، لتقطع حقه من الارتجاع‏.‏ قال قتادة‏:‏ كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية‏.‏ وحكي أن رجلا من أشجع أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، إني طلقت امرأتي وهي حبلى، ولست آمن أن تتزوج فيصير ولدي لغيري فأنزل الله الآية، وردت امرأة الأشجعي عليه‏.‏

الثانية‏:‏ قال ابن المنذر‏:‏ وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم‏:‏ إذا قالت المرأة في عشرة أيام‏:‏ قد حضت ثلاث حيض وانقضت عدتي إنها لا تصدق ولا يقبل ذلك منها، إلا أن تقول‏:‏ قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه‏.‏ واختلفوا في المدة التي تصدق فيها المرأة، فقال مالك‏:‏ إذا قالت انقضت عدتي في أمد تنقضي في مثله العدة قبل قولها، فإن أخبرت بانقضاء العدة في مدة تقع نادرا فقولان‏.‏ قال في المدونة‏:‏ إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صدقت إذا صدقها النساء، وبه قال شريح، وقال له علي بن أبي طالب‏:‏ قالون‏!‏ أي أصبت وأحسنت‏.‏ وقال في كتاب محمد‏:‏ لا تصدق إلا في شهر ونصف‏.‏ ونحوه قول أبي ثور، قال أبو ثور‏:‏ أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوما، وذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وأقل الحيض يوم‏.‏ وقال النعمان‏:‏ لا تصدق في أقل من ستين يوما، وقال به الشافعي‏.‏

قوله تعالى‏{‏إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر‏}‏ هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه‏.‏ أي فسبيل المؤمنات ألا يكتمن الحق، وليس قوله‏{‏إن كن يؤمن بالله‏}‏ على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم، لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن، وإنما هو كقولك‏:‏ إن كنت أخي فلا تظلمني، أي فينبغي أن يحجزك الإيمان عنه، لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان‏.‏

قوله تعالى‏{‏وبعولتهن‏}‏ البعولة جمع البعل، وهو الزوج، سمي بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها، ومنه قوله تعالى‏{‏أتدعون بعلا‏}‏الصافات‏:‏ 125‏]‏ أي ربا، لعلوه في الربوبية، يقال‏:‏ بعل وبعولة، كما يقال في جمع الذكر‏:‏ ذكر وذكورة، وفي جمع الفحل‏:‏ فحل وفحولة، وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة، وهو شاذ لا يقاس عليه، ويعتبر فيها السماع، فلا يقال في لعب‏:‏ لعوبة‏.‏ وقيل‏:‏ هي هاء تأنيث دخلت على فعول‏.‏ والبعولة أيضا مصدر البعل‏.‏ وبعل الرجل يبعل ‏(‏مثل منع يمنع‏)‏ بعولة، أي صار بعلا‏:‏ والمباعلة والبعال‏:‏ الجماع، ومنه قوله عليه السلام لأيام التشريق‏:‏ ‏(‏إنها أيام أكل وشرب وبعال‏)‏ وقد تقدم‏.‏ فالرجل بعل المرأة، والمرأة بعلته‏.‏ وباعل مباعلة إذا باشرها‏.‏ وفلان بعل هذا، أي مالكه وربه‏.‏ وله محامل كثيرة تأتي إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏{‏أحق بردهن‏}‏ أي بمراجعتهن، فالمراجعة على ضربين‏:‏ مراجعة في العدة على حديث ابن عمر‏.‏ ومراجعة بعد العدة على حديث معقل، وإذا كان هذا فيكون في الآية دليل على تخصيص ما شمله العموم في المسميات، لأن قوله تعالى‏{‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏{‏ عام في المطلقات ثلاثا، وفيما دونها لا خلاف فيه‏.‏ ثم قوله‏{‏وبعولتهن أحق‏}‏ حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث‏.‏ وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة، وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه، لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد، ليس على سنة المراجعة، وهذا إجماع من العلماء‏.‏ قال المهلب‏:‏ وكل من راجع في العدة فإنه لا يلزمه شيء من أحكام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط، وهذا إجماع من العلماء، لقوله تعالى‏{‏فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم‏}‏الطلاق‏:‏ 2‏]‏ فذكر الإشهاد في الرجعة ولم يذكره في النكاح ولا في الطلاق‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ وفيما ذكرناه من كتاب الله مع إجماع أهل العلم كفاية عن ذكر ما روي عن الأوائل في هذا الباب، والله تعالى أعلم‏.‏

واختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعا في العدة، فقال مالك‏:‏ إذا وطئها في العدة وهو يريد الرجعة وجهل أن يشهد فهي رجعة‏.‏ وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد، وبه قال إسحاق، لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى‏)‏‏.‏ فإن وطئ في العدة لا ينوي الرجعة فقال مالك‏:‏ يراجع في العدة ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ فإن انقضت عدتها لم ينكحها هو ولا غيره في بقية مدة الاستبراء، فإن فعل فسخ نكاحه، ولا يتأبد تحريمها عليه لأن الماء ماؤه‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ إذا جامعها فقد راجعها، وهكذا قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وابن سيرين والزهري وعطاء وطاوس والثوري‏.‏ قال‏:‏ ويشهد، وبه قال أصحاب الرأي والأوزاعي وابن أبي ليلى، حكاه ابن المنذر‏.‏ وقال أبو عمر‏:‏ وقد قيل‏:‏ وطؤه مراجعة على كل حال، نواها أو لم ينوها، ويروى ذلك عن طائفة من أصحاب مالك، وإليه ذهب الليث‏.‏ ولم يختلفوا فيمن باع جاريته بالخيار أن له وطأها في مدة الخيار، وأنه قد ارتجعها بذلك إلى ملكه واختار نقض البيع بفعله ذلك‏.‏ وللمطلقة الرجعية حكم من هذا‏.‏ والله أعلم‏.‏

من قبل أو باشر ينوي بذلك الرجعة كانت رجعة، وإن لم ينو بالقبلة والمباشرة الرجعة كان آثما وليس بمراجع‏.‏ والسنة أن يشهد قبل أن يطأ أو قبل أن يقبل أو يباشر‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة فهي رجعة، وهو قول الثوري‏:‏ وينبغي أن يشهد‏.‏ وفي قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور لا يكون رجعة، قاله ابن المنذر‏.‏ وفي المنتقى قال‏:‏ ولا خلاف في صحة الارتجاع بالقول، فأما بالفعل نحو الجماع والقبلة فقال القاضي أبو محمد‏:‏ يصح بها وبسائر الاستمتاع للذة‏.‏ قال ابن المواز‏:‏ ومثل الجسة للذة، أو أن ينظر إلى فرجها أو ما قارب ذلك من محاسنها إذا أراد بذلك الرجعة، خلافا للشافعي في قوله‏:‏ لا تصح الرجعة إلا بالقول، وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور وجابر بن زيد وأبي قلابة‏.‏

قال الشافعي‏:‏ إن جامعها ينوي الرجعة، أو لا ينويها فليس برجعة، ولها عليه مهر مثلها‏.‏ وقال مالك‏:‏ لا شيء لها، لأنه لو ارتجعها لم يكن عليه مهر، فلا يكون الوطء دون الرجعة أولى بالمهر من الرجعة‏.‏ وقال أبو عمر‏:‏ ولا أعلم أحدا أوجب عليه مهر المثل غير الشافعي، وليس قوله بالقوي، لأنها في حكم الزوجات وترثه ويرثها، فكيف يجب مهر المثل في وطء امرأة حكمها في أكثر أحكامها حكم الزوجة‏!‏ إلا أن الشبهة في قول الشافعي قوية، لأنها عليه محرمة إلا برجعة لها‏.‏ وقد أجمعوا على أن الموطوءة بشبهة يجب لها المهر، وحسبك بهذا‏!‏

واختلفوا هل يسافر بها قبل أن يرتجعها، فقال مالك والشافعي‏:‏ لا يسافر بها حتى يراجعها، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه إلا زفر فإنه‏"‏روى عنه الحسن بن زياد أن له أن يسافر بها قبل الرجعة، وروى عنه عمرو بن خالد، لا يسافر بها حتى يراجع‏.‏

واختلفوا هل له أن يدخل عليها ويرى شيئا من محاسنها، وهل تتزين له وتتشرف، فقال مالك‏:‏ لا يخلو معها، ولا يدخل عليها إلا بإذن، ولا ينظر إليها إلا وعليها ثيابها، ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما، ولا يبيت معها في بيت وينتقل عنها‏.‏ وقال ابن القاسم‏:‏ رجع مالك عن ذلك فقال‏:‏ لا يدخل عليها ولا يرى شعرها‏.‏ ولم يختلف أبو حنيفة وأصحابه في أنها تتزين له وتتطيب وتلبس الحلي وتتشرف‏.‏ وعن سعيد بن المسيب قال‏:‏ إذا طلق الرجل امرأته تطليقة فإنه يستأذن عليها، وتلبس ما شاءت من الثياب والحلي، فإن لم يكن لهما إلا بيت واحد فليجعلا بينهما سترا، ويسلم إذا دخل، ونحوه عن قتادة، ويشعرها إذا دخل بالتنخم والتنحنح‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ المطلقة طلاقا يملك رجعتها محرمة على مطلقها تحريم المبتوتة حتى يراجع، ولا يراجع إلا بالكلام، على ما تقدم‏.‏

أجمع العلماء على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء العدة‏:‏ إني كنت راجعتك في العدة وأنكرت أن القول قولها مع يمينها، ولا سبيل له إليها، غير أن النعمان كان لا يرى يمينا في النكاح ولا في الرجعة، وخالفه صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم‏.‏ وكذلك إذا كانت الزوجة أمة واختلف المولى والجارية، والزوج يدعي الرجعة في العدة بعد انقضاء العدة وأنكرت فالقول قول الزوجة الأمة وإن كذبها مولاها، هذا قول الشافعي وأبي ثور والنعمان‏.‏ وقال يعقوب ومحمد‏:‏ القول قول المولى وهو أحق بها‏.‏

لفظ الرد يقتضي زوال العصمة، إلا أن علماءنا قالوا‏:‏ إن الرجعية محرمة الوطء، فيكون الرد عائدا إلى الحل‏.‏ وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة ومن قال بقولهما - في أن الرجعة محللة الوطء‏:‏ إن الطلاق فائدته تنقيص العدد الذي جعل له خاصة، وإن أحكام الزوجية باقية لم ينحل منها شيء - قالوا‏:‏ وأحكام الزوجية وإن كانت باقية فالمرأة ما دامت في العدة سائرة في سبيل الزوال بانقضاء العدة، فالرجعة رد عن هذه السبيل التي أخذت المرأة في سلوكها، وهذا رد مجازي، والرد الذي حكمنا به رد حقيقي، فإن هناك زوال مستنجز وهو تحريم الوطء، فوقع الرد عنه حقيقة، والله أعلم‏.‏

لفظ ‏{‏أحق‏}‏ يطلق عند تعارض حقين، ويترجح أحدهما، فالمعنى حق الزوج في مدة التربص أحق من حقها بنفسها، فإنها إنما تملك نفسها بعد انقضاء العدة، ومثل هذا قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏الأيم أحق بنفسها من وليها‏)‏‏.‏ وقد تقدم‏.‏

الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار وتطويل العدة والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح فمحرم، لقوله تعالى‏{‏ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا‏}‏البقرة‏:‏ 231‏]‏ ثم من فعل ذلك فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهي وظلم نفسه، ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلقنا عليه‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولهن‏}‏ أي لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن، ولهذا قال ابن عباس‏:‏ إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها علي، لأن الله تعالى قال‏{‏ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف‏{‏ أي زينة من غير مأثم‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن‏.‏ وقيل‏:‏ إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن‏.‏ قاله الطبري‏:‏ وقال ابن زيد‏:‏ تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم، والمعنى متقارب‏.‏ والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية‏.‏

قول ابن عباس‏:‏ ‏(‏إني لأتزين لامرأتي‏)‏‏.‏ قال العلماء‏:‏ أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم، فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشباب، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه، والشاب إذا فعل ذلك سمج ومقت‏.‏ لأن اللحية لم توفر بعد، فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك‏.‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي‏)‏‏.‏ وكذلك في شأن الكسوة، ففي هذا كله ابتغاء الحقوق، فإنما يعمل على اللبق والوفاق عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال‏.‏ وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به‏.‏ فأما الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع‏.‏ والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة، وهو حلي الرجال على ما يأتي بيانه في سورة النحل ‏.‏ ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره‏.‏ وإن رأى الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدوية التي تزيد في باهه وتقوي شهوته حتى يعفها‏.‏

قوله تعالى‏{‏وللرجال عليهن درجة‏{‏ أي منزلة‏.‏ ومدرجة الطريق‏:‏ قارعته، والأصل فيه الطي، يقال‏:‏ درجوا، أي طووا عمرهم، ومنها الدرجة التي يرتقى عليها‏.‏ ويقال‏:‏ رجل بين الرجلة، أي القوة‏.‏ وهو أرجل الرجلين، أي أقواهما‏.‏ وفرس رجيل، أي قوي، ومنه الرجل، لقوتها على المشي‏.‏ فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته على الإنفاق وبالدية والميراث والجهاد‏.‏ وقال حميد‏:‏ الدرجة اللحية، وهذا إن صح عنه فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ فطوبى لعبد أمسك عما لا يعلم، وخصوصا في كتاب الله تعالى‏!‏ ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء، ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها، وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه، فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه‏.‏ وقيل‏:‏ الدرجة الصداق، قاله الشعبي‏.‏ وقيل‏:‏ جواز الأدب‏.‏ وعلى الجملة فدرجة تقتضي التفضيل، وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه، ولهذا قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏ولو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها‏)‏‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏(‏الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلق، أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه‏)‏‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا قول حسن بارع‏.‏ قال الماوردي‏:‏ يحتمل أنها في حقوق النكاح، له رفع العقد دونها، ويلزمها إجابته إلى الفراش، ولا يلزمه إجابتها‏.‏

قلت‏:‏ ومن هذا قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏أيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح‏)‏‏.‏ قوله تعالى‏{‏والله عزيز‏{‏ أي منيع السلطان لا معترض عليه‏.‏ قوله تعالى‏{‏حكيم‏{‏ أي عالم مصيب فيما يفعل‏.‏